الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
84
مختصر الامثل
بفدك وبعضهم بخيبر ، فاشتاق الذين بتيماء إلى بعض إخوانهم ، فمرّ بهم أعرابي من قيس فتكاروا منه ( أي استأجروا إبله ) وقال لهم : أمرّ بكم ما بين عَير واحد ، ( فعلموا أنّهم أصابوا ضالّتهم ) فقالوا له : إذا مررت بهما فآذنّا ( أخبرنا ) بهما ، فلمّا توسط بهم أرض المدينة ، قال : ذلك عَير ، وهذا أحد ، فنزلوا عن ظهر إبله ، وقالوا له : قد أصبنا بغيتنا فلا حاجة بنا إلى إبلك ، فاذهب حيث شئت . وكتبوا إلى إخوانهم الذين بفدك وخيبر : إنّا قد أصبنا الموضع فهلمّوا إلينا . فكتبوا إليهم إنّا قد استقرت بنا الدار واتّخذنا بها الأموال ، وما أقربنا منكم ، فإذا كان ذلك فما أسرعنا إليكم ، واتخذوا بأرض المدينة أموالًا . فلما كثرت أموالهم بلغ ذلك تُبّعاً فغزاهم ، فتحصنوا منه ، فحاصرهم ثم أمنهم ، فنزلوا عليه . فقال لهم : إنّي قد استطبت بلادكم ، ولا أراني إلّامقيماً فيكم . فقالوا له : ليس ذلك لك ، إنّها مهاجر نبي ، وليس ذلك لأحد حتى يكون ذلك . فقال لهم : فإنّي مخلف فيكم من أسرتي من إذا كان ذلك ساعده ونصره ، فخلف حين تراهم الأوس والخزرج . فلمّا كثروا بها كانوا يتناولون أموال اليهود ، فكانت اليهود تقول لهم : أما لو بعث محمّد لنخرجنّكم من ديارنا وأموالنا . فلما بعث اللَّه محمّداً صلى الله عليه وآله آمنت الأنصار وكفرت به اليهود ، وهو قوله تعالى : « وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا » إلى آخر الآية » . التّفسير كفروا بما دعوا الناس اليه : هذه الآيات تتحدث أيضاً عن اليهود ومواقفهم ، هؤلاء هاجروا ليتخذوا من يثرب سكناً بعد أن وجدوا فيها ما يشير إلى أنّها أرض الرّسول المرتقب ، وبقوا فيها ينتظرون بفارغ الصبر النبي الذي بشّرت به التوراة ، كما كانوا ينتظرون الفتح والنصر على الذين كفروا تحت لواء هذا النبي ، لكنهم مع كل ذلك أعرضوا عن الرسول وعن الرسالة : « وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ » . وهكذا تستطيع الأهواء والمصالح الشخصية أن تقف بوجه طالب الحقيقة ، مهما كان الفرد عاشقاً لهذه الحقيقة وتوّاقاً للوصول إليها فيتركها ويعرض عنها ، بل تستطيع الأهواء أيضاً أن تحول هذا الفرد إلى عدو لدود لهذه الحقيقة . ما أشد خسارة هؤلاء اليهود ، تركوا أوطانهم وهاموا في الأرض بحثاً عن علامات أرض الرسالة ، ثم ها هم خسروا كل شيء ، وباعوا أنفسهم بأسوأ ثمن : « بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أنفُسَهُمْ » .